الرئيسية » أخبار محلية » قباني: كل الطبقة السياسية تتحمل مسؤولية تفكك المؤسسات
المفتي قباني يلقي كلمته

قباني: كل الطبقة السياسية تتحمل مسؤولية تفكك المؤسسات

القى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني خطبة الجمعة في مسجد خاتم الأنبياء والمرسلين محمد الأمين، في الوسط التجاري في بيروت، الاتي نصها

المفتي قباني يلقي كلمته

:
“الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي والرسول الكريم سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن عمل بشريعته إلى يوم الدين.

أما بعد عباد الله: فقد قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: “وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”، وقال جل وعلا: “إنما يتذكر أولو الألباب”، وقال عز وجل: “تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور”.

والإنسان العاقل أيها الإخوة، يدرك تماما، أن حياته الدنيا على الأرض مهما طالت، فهي إلى انقضاء، وهو لا يغفل عن موته فيها في وقت قريب أو بعيد، فيجتهد في طاعة الله تعالى في كل وقت وحين، وفي كل شأن من شئونه وأموره في حياته الدنيا، ويجعل القرآن العظيم دليلا له في حياته اليومية الخاصة والعامة، في بيته وفي عمله، وفي مجتمعه وفي تعامله مع الناس، كي لا يلحقه الندم ساعة لا ينفع الندم، ولسان حاله عند خروجه من الدنيا يقول: “رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت”، فيأتيه الجواب: “كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون”.

فإذا كنت عاقلا يا ابن آدم، فابك على نفسك قبل أن يبكى عليك، فأنت لا تدري يا مسكين مهما بلغ ذكاؤك متى يكون موعد المغادرة والرحيل، ولا تدري ما يفعل بك يا جهول، وكفى بك جهلا وعقوقا أن يعاملك ربك بالنعم والوداد، وأنت تعامله بالإعراض والجفاء.

واعلم يا ابن آدم، أنك إذا انغمست في جيفة الدنيا ونسيت المنعم عليك، فإنك لا تصلح للمفاخرة أبدا، لأن حضرة الله لا يدخلها المتلطخون بنجاسة المعصية، أما علمت أن الغش والكذب والغيبة والنميمة والإفك على الناس، وأكلك أموال الناس بالباطل وأكلك للربا، وشربك للخمور والمسكرات، وفعلك للزنا وتعاطيك للمخدرات، ولعبك بالميسر والقمار، وتركك للصلاة والصيام والزكاة وتقوى الله عز وجل، هو من أمهات الكبائر والمعاصي والمهلكات؟ فكيف بك وأنت قادم بكل ذلك أو بعضه على الله؟

لقد غلطوا والله في النواح على زوجة أو زوج أو ولد، فلقد كان حقهم أن يقيموا النوائح على أنفسهم، وعلى فقدانهم التقوى وخشية الله من قلوبهم، وكفى بك يا هذا جهلا أن يخزن الناس الأقوات ليوم حاجتهم إليها، وأنت تخزن المعاصي، فهل رأيت من يأتي بالحيات فيربيها في داره؟ فها أنت تفعل ذلك يا جهول.

واعلم يا ابن آدم، أنه لا شيء يخجلك يوم القيامة مثل درهم أنفقته في حرام، فمن أنفق ماله وعافيته وصحته في معصية الله وفي الحرام فمثاله كمن خلف له أبوه ألف دينار فاشترى بها حيات وعقارب وجعلها حوله تلدغه هذه مرة، وتلسعه تلك أخرى، أفلا تخشى يا هذا أن تفلسك المعاصي فتخسر الدنيا والآخرة؟ ولكن النقص فيك والحجاب منك، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: “كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون*كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون” ران على قلوبهم: أي غطى غباش المعاصي والآثام على مرآة قلوبهم، حتى حجب الرؤية عنها وأصبحوا من كثافة الحجاب على قلوبهم والعياذ بالله، كالذين قال الله تعالى فيهم في القرآن الكريم: “لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون”.

ولذلك أوصيكم أيها الإخوة، أن لا تنسوا وأنتم في دوامة الحياة الدنيا، حق أنفسكم عليكم، بالعمل لخلاصها ونجاتها في الدنيا وعند الله يوم القيامة، فيا أيها الناس: إستعدوا لما خلقتم له من غاية وحكمة، فإن الله تعالى لم يخلقكم على الأرض عبثا، ونبهكم على كل ذلك فقال لكم في القرآن الكريم: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم”.

أيها الإخوة والأبناء، أيها اللبنانيون، إن أوضاع لبنان كما هي اليوم لا تطمئن أحدا على يومه وغده ووطنه، حتى بات اللبنانيون لا يذوقون طعم الاستقرار يوما، حتى يساورهم القلق والاضطراب أياما أخر وخاصة في طرابلس والشمال، ألا يكفي مدينة طرابلس والشمال المعاناة الظالمة المزمنة على الصعيد المعيشي والإنمائي والاجتماعي والإنساني، لتغدو اليوم، بقعة مضطربة تنذر بتحولها إلى ما يشبه بقعة الزيت، التي قد تتسع لتشمل مساحات أخرى من الوطن المهدد أصلا، بدخوله منطقة التنازع الإقليمي والدولي؟

ولا بد لنا هنا من التأكيد على ثابتتين اثنتين:
الثابتة ألأولى: أن أهل طرابلس يستحقون استتباب الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مدينتهم، ذاك الأمن الذي يجب أن يعلو فوق صوت الرصاص، بحيث لا يستضعف أبناء طرابلس والشمال، باستنزافهم حياتيا ومعيشيا ومعنويا، ولا باستخدام أرضهم ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

والثابتة الثانية: أن الجيش اللبناني، هو المؤسسة الوطنية الجامعة، التي لا ينبغي المساومة عليها، وإدخالها في أتون الصراعات السياسية والفئوية، والتي إن تم تعطيل دورها في ضبط الأمن وحفظ الاستقرار، فإن لبنان سوف يفقد العمود الفقري، الذي يشد بنيان الوطن ويدعمه، ويدخلنا في نفق مظلم قد لا نجد سبيلا إلى الخروج منه أبدا.

ولذلك يجب على قيادة الجيش اللبناني أن تعمد إلى القيام بالواجب الوطني في حفظ أمن البلاد وسلامتها، وأمن اللبنانيين وأمانهم وسلامهم وسلامتهم، بعيدا عن التجاذب السياسي، وأن تفرض إلغاء العمل بقاعدة الأمن بالتراضي، الذي يحفظ أمن السياسيين على حساب أمن المواطن، فإن لمؤسسة الجيش اللبناني أن تفرض على الأفرقاء جميعا إرادتها المنبثقة من الواجب الوطني، ومن المسلمات التي لا حق لأحد في التنازع معها حولها.

أيها اللبنانيون جميعا، إن الطبقة السياسية كلها في لبنان، تتحمل مسئولية ما آلت إليه الدولة في مؤسساتها كافة ومنذ سنوات، من التحلل والتفكك وخاصة في مؤسساتها الدستورية التي وإن بدت أنها تعمل غير أنها لا تنتج، فالرئاسة الأولى ولا أقول الرئيس، تكاد تكون عاجزة عن جمع الأفرقاء الذين يتمادون في ابتزازهم لها، من خلال مطالبهم منها، لتأمين مصالحهم السياسية والفئوية.

وأما المؤسسة التشريعية الأم، فجلساتها التي بثت على وسائل الإعلام منذ مدة قريبة، خير شاهد على تحول ممثلي الوطن إلى مجموعات كيدية عوض استيعابهم للتنوع السياسي وانتماءاته لإنتاج دفع بناء للحياة السياسية في لبنان، ولعمل المؤسسات فيه، حتى بلغ الأمر حد تعطيل الموازنة وعملية الإنفاق في الدولة، مما يزيد في شلل المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية والصحية والاقتصادية في البلاد.

وأما الوزارات والإدارات العامة، فقد تحولت إلى ميادين يتبارز فيها المسئولون ويسقط المواطن، ويذهب ضحية لها في لقمة عيشه وفي رغيفه اليومي.

وأما القضاء الذي جعل أساسا لإقامة العدل وإحقاق الحق، فقد أصبح ميزان العدل فيه انتقائيا، لا يعكس إلا صدى المتنفذين، في ظل غياب الرقابة المؤسساتية ورقابة الضمير، فبأي حق أو ضمير أو شرع أو دستور، يحتجز مئات المواطنين على مدى أعوام أربعة وسنوات طوال، ولا يزالون في السجون قيد الاحتجاز، بلا تهم ولا محاكمات، رغم الوعود المتكررة لنا منذ سنوات، بإنهاء معاناتهم ومعاناة أسرهم، لكن بلا جدوى.

ولذلك فإننا من موقعنا ومسئولياتنا الدينية والوطنية، لن نتساهل بعد اليوم، أمام تقاعس القضاء عن إنصاف الموقوفين الإسلاميين، الذين هم موقوفون لبنانيون في سجون وطنهم، التي تحولت إلى معتقلات ظلامية وتعسفية ومذلة للإنسان وحقوق الإنسان، وقد آن للقضاء اللبناني أن يطلق سراح البريئين من الموقوفين الإسلاميين بلا تهم، ومحاكمة المتهمين منهم محاكمات عادلة، عوض عن تركهم قابعين في زنزانات القهر والإذلال بلا اتهام ولا محاكمات، بعيدا عن السياسة والتسييس.

وإننا بعد كل التلكؤ والمماطلة والوعود والتسويف من المسئولين لسنوات طوال مضت تزيد على أربع سنوات، فإننا اليوم نمهل كل الجهات المعنية في البلاد، لإنجاز ملف الموقوفين الإسلاميين مهلة أقصاها بداية العطلة القضائية الصيفية في تموز القادم، قبل اللجوء إلى الوسائل المناسبة لرفع الظلم عن أبنائنا المنسيين عمدا في سجون الدولة وأقبيتها، وأولها الاعتصام الواسع الذي سيكون في ساحة رياض الصلح في وسط مدينة بيروت، ويشارك في هذا الاعتصام كل نصير للحق والحرية من كل أنحاء لبنان.

ودعوتنا هذه ليست دعوة طائفية ولا فئوية، بل هي دعوة إنسانية وحقوقية لنصرة الإنسان ولحقوق الإنسان في لبنان، وللبنانيين جميعا.

أيها اللبنانيون، إن الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان، تشكل المدخل الحقيقي لإعادة إنتاج الطبقة السياسية في وطننا لبنان من جديد، وإننا ندعو اللبنانيين جميعا أن يعملوا جاهدين لتغيير الواقع السياسي المتردي في البلاد، حتى لا يكون المشهد السياسي القادم في لبنان، بعد الانتخابات المقبلة شبيها بحال الانقسام السياسي الراهن في البلاد، الذي لا يراعي مصلحة الوطن والمواطنين ضحايا الوضع الراهن، هذا الانقسام الذي يعطل عجلة الإنتاج، ويلهي المواطنين في صراعات متفاقمة لا تنتهي، ولا طائل منها ولا جدوى، والمــوضوعية هي البديل عن الكيدية.

واعلموا أيها الإخوة المؤمنون، أن مواقفنا دائما ثابتة، تنطلق من المصلحة الإسلامية والوطنية العليا، وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، نقول كلمة الحق فيها، لا نجامل فيها أحدا، فإن لكلمة الحق مقالا، وقد قال الخليفة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: “ما ترك الحق من صديق لعمر”.

فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه في القول والعمل، والسر والعلن، واجعلوا القرآن الكريم دليل حياتكم وربيع قلوبكم في ليلكم ونهاركم تفوزوا وتنجحوا، وقد قال الله تعالى لكم في القرآن الكريم: “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم”، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وهو رب العرش الكريم، أقول هذا القول واستغفر الله تعالى لي ولكم، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

شاهد أيضاً

شائعات تطال المرشحين العلويين… أوساطهم: لا مصلحة لأحد من خسارة أصواتنا

دموع الاسمر لا يزال مرشحو المقعد العلوي من سكان جبل محسن يتخبطون نتيجة الشائعات التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *